هشام آل قطيط
56
وقفة مع الدكتور البوطي
فتعال معي أخي القارئ الكريم إلى هذه المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وحبر الأمة عبد الله بن عباس ، فهذه المحاورة تكشف عما كان يريده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كتابة الكتاب ، كما وردت في تاريخ الطبري ، وابن الأثير وغيرهما من كتب من علماء أهل ألسنة : " قال عمر بن الخطاب لابن عباس : يا بن عباس ، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني ، فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فقلت : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت ، قال : تكلم ، قلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأما قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة ، فقال : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) . فقال عمر : هيهات والله يا بن عباس ، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني " ( 1 ) . ولهذا يقول الدكتور طه حسين : " ولكن المسلمين لم يختاروه ، خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى أحد منهم . . . " ( 2 ) . ولهذا يقول عمر بن الخطاب : " . . . لقد كان - أي النبي - يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام . لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا . ولو وليها لانتفضت عليه العرب في أقطارها فعلم رسول الله أنني علمت ما في نفسه فأمسك " ( 3 ) .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري : ج 4 ص 223 - الكامل لابن الأثير : ج 3 ص 34 . ( 2 ) طه حسين : الفتنة الكبرى - عثمان - ص 153 - 152 - 1976 . ( 3 ) محمد جواد شري : أمير المؤمنين - ص 162 - 163 - نقلا عن نهج البلاغة لابن أبي الحديد وتاريخ الطبري .